الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
403
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
القيامة ، ويوجه الباري خطابه إلى حبيبه الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بأنك لا تعلم وقت وقوعها ، ويقول : فيم أنت من ذكراها . فما خفي عليك ( يا محمد ) ، فمن باب أولى أن يخفى على الآخرين ، والعلم بوقت قيام القيامة من الغيب الذي اختصه الله لنفسه ، ولا سبيل لمعرفة ذلك سواه إطلاقا ! وكما قلنا ، فسر خفاء موعد الحق يرجع لأسباب تربوية ، فإذا كان ساعة قيام القيامة معلومة فستحل الغفلة على جميع إذا كانت بعيدة ، وبالمقابل ستكون التقوى اضطرارا والورع بعيدا عن الحرية والاختيار إذا كانت قريبة ، والأمران بطبيعتهما سيقتلان كل أثر تربوي مرجو . وثمة احتمالات أخرى قد عرضها بعض المفسرين ، ومنها : إنك لم تبعث لبيان وقت وقوع يوم القيامة ، وإنما لتعلن وتبين وجودها ( وليس لحظة وقوعها ) . ومنها أيضا : إن قيامك وظهورك مبين وكاشف عن قرب وقوع يوم القيامة بدلالة ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حينما جمع بين سبابتيه وقال : " بعثت أنا والقيامة كهاتين " ( 1 ) ولكن التفسير الأول أنسب من غيره وأقرب . وتقول الآية التالية : إلى ربك منتهاها . فالله وحده هو العالم بوقت موعدها دون غيره ولا فائدة من الخوض في معرفة ذلك . ويؤكد القرآن هذا المعنى في الآيتين : ( 34 ) من سورة لقمان : إن الله عنده علم الساعة ، وفي الآية ( 187 ) من سورة الأعراف : قل إنما علمها عند ربي . وقيل : المراد بالآية ، تحقق القيامة بأمر الله ، ويشير هذا القول إلى بيان علة ما
--> 1 - تفسير الفخر الرازي ، ج 29 ، ص 29 ، وذكرت ذات الموضوع في : تفاسير ( مجمع البيان ) ، ( القرطبي ) ، ( في ظلال القرآن ) بالإضافة لتفسير أخرى ، في ذيل الآية ( 18 ) من سورة محمد .